آخر تحديث :الجمعة-04 أبريل 2025-11:02ص

الموت قهرا.. حين يصبح الرصيف وسادة لطيار حربي

الخميس - 03 أبريل 2025 - الساعة 03:49 م
صفوان سلطان

بقلم: صفوان سلطان
- ارشيف الكاتب


على قطعة ممزقة من الكرتون، فوق اسفلت ملتهب كالجمر، اسند رأسه المنهك وكأنه يبحث عن ذرة راحة لم يجدها في سنواته الاخيرة. عظامه الناحلة بارزة تحت جلده المحترق بحر عدن، ووجهه المجعد يحمل خطوطا حفرها الزمن والقهر، كأن كل تجعيدة تحكي قصة خذلان، كل ثنية على جبينه تصرخ من ظلم ممتد، كل انكماشة في ملامحه تختزل مرارة الايام التي عاشها منسيا، متروكا، محاصرا بالجوع والتعب واليأس.


عيناه المغلقتان لم تكن استسلاما للنوم، بل اعلان استسلام نهائي للحياة التي لم تمنحه شيئا سوى المزيد من الالم. كفه المرتخية بجانب جسده لم تكن مجرد يد هامدة، بل شاهد صامت على رحلة معاناة لم تجد نهايتها الا على رصيف قاس، وسط مدينة كانت يوما ما تفيض بالوعود الكاذبة والحديث الفارغ عن “الانصاف” و”العدالة”.


الطيار الحربي قاسم عبدالملك لم يمت في حادث جوي، لم يسقط بطائرته في معركة، لم يرحل شهيدا على حدود الوطن، بل اسلم روحه وحيدا، جائعا، ظامئا، مختنقا بحر لا يقل قسوة عن الذين اداروا له ظهورهم.


سبعة عشر عاما من التهميش بعد 94، ثم عشر سنوات من حكم من زعموا انهم جاؤوا لانصاف الجنوبيين، لكن قاسم عبدالملك لم يكن من المحظوظين في قوائمهم، لم يكن من اصحاب “المحسوبية” و”الولاءات”، فلم يجد سوى هذا المصير المهين.


كانوا يقولون انهم حملوا السلاح لاستعادة حقوق المظلومين، لكن من انصف هذا الرجل؟ من سأله عن حاله؟ من سمع انينه قبل ان ينطفئ؟ كيف يدعون القتال من اجل الناس، بينما يتركون من قاتل يوما لاجل هذا الوطن يموت على قارعة الطريق، كأن وجوده لم يكن؟


الطيار الذي حلق يوما في السماء، اسقطته قسوة البشر، جعلته الحاجة ينحني حتى التصق بالارض، حتى صار بلا صوت، بلا قيمة، حتى صار جسده مجرد خبر عابر، وجثته مجرد رقم جديد في قائمة من رحلوا قهرا.


عدن اليوم ليست لاهلها، ليست لمن حلموا بها يوما مدينة للكرامة، بل باتت ساحة لامتهان كرامة الاحرار، ومقبرة للاوفياء الذين دفعوا ثمن خيبات الساسة. سيموت اخرون، وسينسى الناس اسمه بعد ايام، لكن الحقيقة ستبقى محفورة على ذاك الرصيف: “لا عدالة في عدن.. ولا رحمة في قلوب حكامها الجدد.”