منذ الانقلاب الحوثي على الدولة اليمنية في 21 سبتمبر/ أيلول 2014 وما تلاه من حرب ما زالت رحاها تدور حتى اليوم، أصيبت الحياة المدنية في اليمن بمقتل، إذ تشظّت البلاد وباتت مناطق متفرقة تخضع لسيطرة الكيانات المسلحة متعددة الأهداف والولاءات. سيادة صوت السلاح أدت إلى غياب وتغييب العمل المدني، إذ فقدت الأحزاب دورها، خصوصاً مع مغادرة قياداتها إلى خارج البلاد، كما غاب دور المنظمات والنقابات المدنية، وبات اليمن محكوماً بسلطة الكيانات المسلحة. وفي ظل هذا الوضع بقي القليل من الهامش المدني والديمقراطي في الأجزاء الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً من محافظتي تعز ومأرب. وبقيت مظاهر العمل المدني في تعز تقاوم من أجل البقاء، وتظهر بين الحين والآخر بين فعاليات حزبية ومسيرات جماهيرية أو احتجاجية تنظمها الأحزاب والنقابات.
غير أن هذا الهامش المدني بات مهدداً اليوم، من خلال مؤشرات إلى توجّه السلطات في تعز إلى منع وقمع التظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية، إذ قررت اللجنة الأمنية في المحافظة، والتي يرأسها المحافظ نبيل شمسان، مواجهة الاحتجاجات الأسبوعية للتربويين المطالبين بتحسين أوضاعهم، عبر إصدار تعميم بشأن تنفيذ قانون تنظيم التظاهرات والمسيرات رقم 29 لسنة 2003. التعميم أشار إلى إحدى مواد قانون التظاهر التي تنص على أنه "يجب على كل من أراد تنظيم تظاهرة أو مسيرة تشكيل لجنة تقوم بتقديم بلاغ إلى الجهة المختصة قبل وقت لا يقل عن ثلاثة أيام من تاريخ بدء التظاهرة أو المسيرة، على أن يكون البلاغ مكتوباً، ومحدداً فيه تاريخ وتوقيت بدء التظاهرة أو المسيرة، ومكان تجمعها، وانطلاقها، وخط سيرها، وإنهائها، وذكر أهدافها، وأسبابها، وإرفاق الشعارات التي سترفع خلالها...".
وتوجّهت شرطة تعز بتعميمها إلى المواطنين والأحزاب السياسية والنقابات المهنية والمكونات المجتمعية، مبررة ذلك بأنه يأتي "انطلاقاً من المسؤولية الوطنية تجاه حماية الأمن والنظام العام، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، وضمان الحقوق والحريات"، مؤكدة "أهمية تطبيق القانون في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المحافظة". وقوبل التعميم بحالة من الرفض من معظم القوى السياسية والمكونات المدنية التي رأت فيه انقلاباً على ثورة 11 فبراير/ شباط 2011، وعلى مخرجات الحوار الوطني، ومحاولة للعودة إلى سياسات النظام القمعي الذي انتفض ضده اليمنيون.
وقال المسؤول الإعلامي لـ"التجمع اليمني للإصلاح" في تعز أحمد عثمان، لـ"العربي الجديد"، إن "التعميم الذي صدر عن شرطة تعز تجاوزه الزمن، فحرية التعبير والمسيرات منجز شعبي، ومحافظة تعز بالذات تفخر بوجهها السلمي، ونحن نعلم أن المسيرات الجماهيرية مستمرة مع الحفاظ على سلميتها". وأضاف: "لا قيود على المسيرات السلمية سوى الخروج على معايير وقواعد السلمية، وهي قواعد تمرست فيها المحافظة، فلم تشهد مسيراتها على كثرتها أي خروج على القانون أو اعتداء على ممتلكات، كما أن الأمن يشهد له حماية التظاهرات في كل مرة بصورة كسبت قلوب الناس، وفي المقدمة المتظاهرين". وأمل عثمان "أن يكون هذا التعميم هو هفوة الشاطر، خصوصاً أن القانون المقيّد للمسيرات قد تجاوزه الزمن والواقع ومخرجات الحوار الوطني، وقبل كل هذا ثقافة تعز التي تعد الحريات أهم قيمها". وأضاف أن "ثقافة تعز العريقة بالسلمية والحريات بجمهورها وأمنها ستجعل هذا التعميم خبراً عابراً".
من جهته، قال الكاتب الصحافي وسام محمد، لـ"العربي الجديد"، إن التعميم الصادر عن شرطة تعز يأتي في سياق أزمة تتصاعد على كافة المستويات، وبدأت تعبّر عن نفسها من خلال احتجاجات المعلمين المطالبين بتحسين أجورهم وضمان صرف رواتبهم في مواعيدها، ثم انتقالهم للتظاهر في الشوارع، مضيفاً: هذه الاحتجاجات جذبت فئات شعبية أخرى تعاني جراء تدهور سعر العملة الوطنية وارتفاع الأسعار، وهذا كله نتاج فشل مركزي وفشل على مستوى السلطة المحلية التي لم تستطع إعادة الخدمات العامة والقيام بأبسط مسؤولياتها. واعتبر أن "التعميم وإن كان ناتجاً عن أزمة اجتماعية واقتصادية، إلا أنه أيضاً يعبّر عن أزمة السلطات التي لا تمتلك حلولاً للمشاكل، ولا يوجد لديها رصيد في الإنجاز، لهذا جاء التلويح بقمع الاحتجاجات خشية من توسعها".
وأشار محمد إلى أن "التعميم جاء بناء على توجيهات محافظ تعز الذي انتهت المهلة الرئاسية المحددة له بستة أشهر لتحسين أوضاع المدينة من دون أن يحقق أي إنجاز أو إصلاحات، وانتهاء المهلة بالتوازي مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية من شأنه أن يعزز الإرادة بإقالة المحافظ ومن يعملون معه، لهذا جاء توجيه المحافظ للأمن بأن يلوّح بقمع الاحتجاجات". ورأى أن "الأمن لن يتجرأ على قمع الاحتجاجات لأن التعبير السلمي أصبح مكسباً لا يمكن التفريط به، وإذا ما قُمعت الاحتجاجات فإن ما سيحدث هو توسعها بشكل أسرع مما هو متوقع"، معتبراً أن "صدور التعميم يدل على أن من يديرون شؤون تعز في ظل الحرب والحصار، ما زالوا متمسكين بنهج نظام علي عبد الله صالح نفسه، من حيث الفساد والفشل وأيضاً اللجوء للورقة الأمنية، لكنهم أضعف من أن يستطيعوا القيام بذلك فعلاً".