لحظة سياسية لا تحتمل التردد
في عالم السياسة، تأتي لحظات مفصلية لا تتكرر، حيث يكون القرار فيها فارقًا بين النصر والهزيمة، وبين استعادة الدولة أو تكريس واقع مفروض. واليمن، بعد سنوات من الصراع، يجد نفسه أمام منعطف تاريخي بالغ الأهمية، حيث تبرز فرصة نادرة لهزيمة الانقلاب الحوثي، مدفوعة بتغيرات إقليمية ودولية تصب في صالح استعادة الدولة.
إن مقولة "غايض الزمن بالثمن" تطرح هنا إشكالية جوهرية: هل تستطيع الشرعية اليمنية اقتناص اللحظة المناسبة لحسم معركتها مع جماعة الحوثي، أم أنها ستبقى أسيرة التردد والضغوط المتغيرة حتى تضيع الفرصة، ويصبح الزمن عاملًا لصالح خصومها؟
تحولات الموقف الدولي: فرصة لا تعوض
خلال السنوات الماضية، كانت جماعة الحوثي تستفيد من تذبذب المواقف الدولية، وتلعب على تباينات المصالح الإقليمية والدولية، مما منحها هامشًا للمناورة أتاح لها الصمود عسكريًا وسياسيًا. لكن المشهد بدأ يتغير، حيث تشهد الساحة الدولية تحولًا ملحوظًا في نظرة القوى الكبرى إلى الحوثيين، خصوصًا مع تصعيدهم العسكري وتهديدهم للملاحة الدولية، مما جعلهم في مرمى الاستهداف الإقليمي والدولي.
هذه التحولات تضع الشرعية اليمنية أمام اختبار حقيقي:
هل ستستغل هذا التغير لتفعيل جبهة سياسية وعسكرية حقيقية تقلب موازين المعركة؟
أم أنها ستظل تتعامل بردود الفعل، تاركة زمام المبادرة للحوثيين ليعيدوا ترتيب أوراقهم؟
التجارب التاريخية تخبرنا أن الفرص لا تنتظر المترددين، وإذا لم تستطع الشرعية التعامل بذكاء وسرعة مع هذه المتغيرات، فقد تفقد دعمًا دوليًا كان يمكن أن يكون عنصرًا حاسمًا في إنهاء الصراع.
عوامل القوة بيد الشرعية: أوراق رابحة تحتاج إلى إدارة فعالة
رغم التحديات التي تواجهها، لا تزال الشرعية تمتلك أوراقًا مهمة يمكن توظيفها لصالحها:
1. الدعم الإقليمي المتزايد: التحالف العربي لا يزال يشكل رافعة أساسية لاستعادة الدولة، لكن دون استراتيجية واضحة، قد يتحول هذا الدعم إلى ورقة ضغط بدلًا من أن يكون عنصرًا للحسم.
2. التحولات الداخلية: هناك سخط شعبي متزايد في المناطق الخاضعة للحوثيين بسبب سياسات الجماعة القمعية والوضع الاقتصادي المتدهور، مما يجعل البيئة خصبة لانتفاضات داخلية إذا وجدت القيادة الشرعية الآلية الصحيحة لدعمها.
3. التغير في الموقف الدولي: كما ذكرنا، فإن العالم بدأ ينظر إلى الحوثيين باعتبارهم تهديدًا للأمن الإقليمي والدولي، مما يجعل الوقت مناسبًا لدفع المجتمع الدولي نحو تبني موقف أكثر صرامة تجاه الجماعة.
لكن السؤال الجوهري: هل لدى الشرعية القدرة على استثمار هذه العوامل بفعالية؟ أم أنها ستظل غارقة في دوامة الصراعات الداخلية والتنازع بين مكوناتها؟
التحرك المطلوب: بين القرار الحاسم والتردد القاتل
لقد شهدنا في التاريخ العديد من اللحظات التي فوتت فيها قوى سياسية فرصًا تاريخية بسبب غياب الرؤية الموحدة والإرادة الصلبة. فهل يمكن للشرعية أن تتعلم من هذه الدروس؟
الخيار الأول: الاستفادة من التحولات الدولية، وإعادة ترتيب الصفوف داخليًا، وإطلاق هجوم دبلوماسي وعسكري متزامن لإجبار الحوثيين على تقديم تنازلات حقيقية، أو كسر سيطرتهم على المناطق الحيوية.
الخيار الثاني: البقاء في حالة تردد، وتأجيل المواجهة تحت ذرائع مختلفة، مما قد يؤدي إلى إعطاء الحوثيين الفرصة لإعادة بناء تحالفاتهم وترميم خسائرهم، وهو ما سيجعل الصراع أكثر تعقيدًا.
التاريخ مليء بأمثلة على قوى سياسية ترددت في استغلال لحظاتها الذهبية، فدفعت الثمن غاليًا. فهل تكون الشرعية اليمنية من بينها؟ أم أنها ستدرك أن الفرص لا تأتي مرتين، وأن الثمن الذي يُدفع اليوم في سبيل الحسم سيكون أقل بكثير مما قد تدفعه في حال ضياع اللحظة؟
بين الممكن والمستحيل
المشهد اليمني اليوم ليس مغلقًا بالكامل، لكنه يتطلب قيادة تدرك أهمية الزمن السياسي، وتتحرك وفق رؤية استراتيجية واضحة، لا أن تظل أسيرة ردود الأفعال.
إن مقولة "غايض الزمن بالثمن" ليست مجرد تعبير أدبي، بل هي حقيقة سياسية صارخة: من لا يدفع ثمن القرار الحاسم في وقته، سيدفع أضعافه لاحقًا نتيجة التردد. والسؤال الذي سيحسم مستقبل اليمن: هل تدرك الشرعية أن اللحظة الحالية هي فرصتها الأخيرة لاستعادة الدولة، أم أن الزمن سيفرض عليها واقعًا جديدًا لا يمكن تغييره؟
ــــــــــــــــــــــــ
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الاربعاء ٢ ابريل ٢٠٢٥م