بقلم: م/ فضل علي مندوق
حوار فلسفي بين سقراط وافلاطون عن مدينة عدن.
- سقراط: أيها الصديق أفلاطون، ها نحن نعود إلى عالم الأحياء، لنشهد هذه المدينة التي تدعى عدن. أترى ما الذي تغير منذ أيامنا؟ هل ما زال الحكام يبحثون عن الخير العام، أم أن الظلام يلف عقولهم كما يلف هذا الغبار أطراف المدينة؟
- أفلاطون: يا معلم، لقد مرت قرونٌ طويلة، ورأيتُ بعين الفكر دولًا تسقط وأخرى تقوم، لكن عدن، التي تركها المستعمر، لم تتركها المظالم، بل توارثتها أنظمة تكرّس القهر بصور متجددة، فلم تتحرر من نفي نفي الاستقلال، ليصبح الاستبداد مغلفًا بثوب وطني.
- سقراط: عجيبٌ أمرك! أتقول إن الحكّام لم يجدوا في أنفسهم فضيلةً واحدةً تؤهلهم لقيادة السفينة؟ أم أن السفينة نفسها غرقت في بحر المصالح، فلم يعد للربّان معنى؟
- أفلاطون: المعضلة يا سقراط ليست في غياب الربّان، بل في تعدد الأدعياء الذين يصرخون كلٌّ بأنه الأعلم بموج البحر. البريطانيون رحلوا، تاركين خلفهم فراغًا كالذي يخلّفه السيف في غمد الصدأ. جاء من بعدهم حكامٌ محليون، تارةً باسم القبيلة، وتارةً باسم الثورة، وثالثةً باسم الديمقراطية والوحدة، لكنهم جميعًا تشربوا نبيذ السلطة حتى الثمالة، فنسوا أن الحكم فنٌّ يُمارَس بالعقل قبل القوة.
- سقراط: أليس هذا ديدن البشر؟ ألم نناقش ذات يومٍ أن الفساد ينبت في تربة الجهل، وأن الحاكم الجاهل كالطبيب الذي يقتل مريضه بدلًا أن يشفيه؟
- أفلاطون: بلى، لكنّ الجهل هنا ليس جهلًا بالقراءة والكتابة، بل جهلٌ بالذات! لقد نسوا أن الحُكم مسؤوليةٌ أمام الشعب. تصور أن المدينة الفاضلة التي حلمنا بها – حيث الفيلسوف ملكٌ – ها هي عدن تُمسي نقيضًا لها: ملوكٌ بلا حكمة، وشعبٌ بلا صوت.
- سقراط: إذن، هل تقول إن المشكلة في طبيعة الحكم ذاته، أم فيمن يتولونه؟
- أفلاطون: الحُكم كالنار، إن وضعته في إناءٍ ضيقٍ أحرقته، وإن أمسكته بيدٍ عاريةٍ أحرقك. المشكلة ليست في النار، بل فيمن يسيء استخدامها. لقد رأيتُ حكام عدن يتشبثون بالكراسي كالمسافرين في سفينةٍ تغرق، كلٌّ يدفع الآخر ليحتل مكانه، بينما الأمواج تبتلع الجميع.
- سقراط: ولكن، لماذا يرضى الشعب بهذا؟ أليس من العار أن يُولَد الإنسان حرًّا، ثم يُسلِّم زمامه لمن يستعبده؟
- أفلاطون: الشعب… نعم! لقد سألتني ذات يوم: "من الذي يُربّي الحاكم؟" وأجبتُك: "المواطنون." لكن ماذا لو كان المواطنون أنفسهم قد نشأوا على الخوف؟ البريطانيون زرعوا الانقسام، والحكام الجُدد روّضوا الشعب على أن الحكومة قدرٌ لا يُردُّ، كالمطر الذي يُغمر الأرض سواءٌ شكرت أم كفرت.
- سقراط: لكن المطر يُحيي الأرض، أما حكومة الظلم فتُحيلها صحراء. ألا ترى أن الخوف لا يدوم إلا إذا قبلنا به؟
- أفلاطون: الخوف كالثعبان، إن لم تمسك رأسه بيدك، لفّ نفسه حول عنقك. لقد استخدم الحكام هنا سلاحين: الخوف والجهل. منعوا التعليم الحقيقي، لأن العقل الحر عدوهم الأول، ورشّوا بالخبز الفاسد حتى اعتاد الشعب المذلة.
- سقراط: إذن، الحلُّ يكمن في إحياء العقل كما أحيانا الله؟
- أفلاطون: أجل، لكن كيف؟ أتعلم أن أكثر من حكومةٍ جاءت بعد البريطانيين ادعت أنها تحمل مشعل التحرير، لكنها سرعان ما تحولت إلى سجانٍ جديد. الفساد تسلل كالسرطان: مِنْ أعلى إلى أسفل. حتى الثوار الذين قاتلوا من أجل الاستقلال صاروا جزءًا من الآلة التي تسحق الفقراء.
- سقراط: لنتحدث بلغة الفلسفة: أليس هذا نتيجةً حتميةً لغياب "الفضيلة" في مفهوم أرسطو؟ أن يصير الحُكم وسيلةً لا غاية؟
- أفلاطون: بالضبط! لقد حوّلوا السياسة إلى تجارةٍ قذرة، حيث تُباع المناصب كالأغنام في السوق. أما العدالة، فقد صارت كلمةً تُكتب على أبواب المحاكم التي تُغلق أمام الفقراء.
- سقراط: لكنك في "الجمهورية" قلتَ إن الظلم لا يدوم، لأن الدولة الجائرة تُنهك نفسها بنفسها. هل ترى أن عدن ستولد من رمادها؟
- أفلاطون: هذا رجائي، لكن الطريق طويل. إن شعبًا نسي أن العدالة تُنتزع لا تُمنح، كالنبات الذي لا ينمو إلا بجهد البستاني، سيظل يعاني. الحل يبدأ بتعليم الأطفال أن يسألوا "لماذا؟" كما كنت تفعل أنت، لا أن يقولوا "نعم" بلا تفكير.
- سقراط: إذن، أنت كفيلسوف، ماذا تقترح؟ هل نعود إلى نموذج "الفيلسوف-الملك"؟
- أفلاطون: نعم، لكن ليس ملكًا واحدًا، بل مجتمعًا من الفلاسفة! أن تُصبح الحكمةُ قيمةً يُقدّسها الجميع، لا السلطة أو المال. لقد فشلت عدن لأنها استبدلت حاكمًا أجنبيًّا بحاكمٍ محليٍّ جاهل، لكنها لم تجرب أبدًا أن يحكمها العقل.
- سقراط: لكن العقل يحتاج إلى حرية، والحرية تحتاج إلى شجاعة. أين الشجعان هنا؟
- أفلاطون: هم موجودون، لكن أصواتهم تُخنق بالرصاص أو بالرشوة. ومع ذلك، كما أن النور ينتصر دائمًا على الظلام، سيجد العقلُ طريقًا. ربما يحتاج الأمر إلى قرنٍ آخر، لكن البذرة التي نزرعها اليوم قد تُثمر غدًا.
- سقراط: ألا ترى أن الأمل وحده لا يكفي؟ ألم نقل إن الإرادة يجب أن تقترن بالعمل؟
- أفلاطون: العمل يبدأ بالكلمة، والفكر يسبق الفعل. لو استعاد الشعب إيمانه بأنه صانع مصيره، فسيجد الطريق. لكن كيف تقنع جائعًا بالثورة وهو يلهث وراء لقمة العيش؟
- سقراط: هنا مربط الفرس! أليس الجوعُ أيضًا نوعًا من الظلم؟ كيف تُطالب من يُكافح للعيش أن يُفكر في العدالة؟
- أفلاطون: هذا هو التناقض الأبدي. الحكومات الفاسدة تعلم هذا جيدًا، لذا تُبقي الشعبَ في حافة الجوع كي ينشغل بالخبز عن الحرية. لكن التاريخ يُعلمنا أن الشعوب التي وصلت إلى حافة الهاوية، إما أن تسقط، وإما أن تصنع أجنحةً من إرادتها.
- سقراط: لكن الأجنحة تحتاج إلى رياحٍ تُحلق بها. من أين تأتي الرياح في عدن؟
- أفلاطون: الرياح تأتي من الأسئلة التي لا تموت: "ما العدل؟ ما الحقيقة؟ من أنا؟" عندما يبدأ فردٌ واحدٌ بالسؤال، سيتبعه آخرون. هكذا بدأت الفلسفة، وهكذا قد تنهض عدن.
- سقراط: إذن، دعنا ننادي في شوارعها: "اعرفوا أنفسكم!" فلعل كلمةً واحدةً تُضيء عقلًا، فيُضيء عقلٌ آخر، حتى تصير المدينة كلها شعلةً من النور.
- أفلاطون: لكن من سيسمعنا؟ ألسنا غرباء عن هذا الزمن؟
- سقراط: الغريبُ مَن يعيش بلا فضيلة. أما نحن، فلنا كلماتنا خالدة. اكتبها يا أفلاطون، كما كتبت حواراتنا من قبل، لعل حرفًا يهتدي به ضالٌّ في ظلمات هذا العصر.
- أفلاطون: سأفعل، لكني أخشى أن تُصادَر الكلمات كما تُصادَر الأرزاق.
- سقراط: الحقيقة كالنور، لا تستطيع أي يدٍ أن تحجبها إلى الأبد. اكتب، وستجد الكلمات طريقها إلى القلوب التي ما زالت تنبض بالحياة.
- أفلاطون: حسنًا، فلنبدأ...