حمزة علي السعدي: الإداري الفذ، مصلح القلوب، ومحارب الآفات
كانت لي في هذه الليلة، وضمن برنامج الزيارات الرمضانية، زيارة ماتعة لشخصية رائعة، شخصية تختزل في سيرتها معاني التفاني، والإخلاص، والبذل اللامحدود. رجلٌ من زمن آخر، لم يعرِفه الناس بمنصبه، بل عرفوه بصدقه ونبله، وبروحه التي لم تهدأ يومًا عن خدمة مجتمعه. إنه الأستاذ حمزة علي السعدي، الإداري المحنك، والإصلاحي الحكيم، وحارس الشباب من آفة المخدرات.
الإداري الذي لم يترجل عن خدمة وطنه
منذ أن تقلد منصبه كمدير لمكتب مدير عام مودية عام 1986م وحتى تقاعده في 2006م، لم يكن حمزة السعدي مجرد مسؤول يؤدي وظيفته، بل كان عقلًا إداريًا استثنائيًا، وركيزة أساسية في منظومة العمل الإداري. تعاقب عليه سبعة مديرين، فكان لكل منهم مستشارًا وسندًا، لم يتغير إخلاصه بتغير القيادات، بل ظل ثابتًا على مبادئه، متفانيًا في عمله، لا يبحث عن الأضواء، بل يبحث عن الإنجاز.
ورغم تقاعده، لم يتقاعد ضميره الحي، ولم يتوقف عطاؤه، بل ازدادت همته في خدمة المجتمع، وكأن الزمن يمنحه المزيد من القوة بدلًا من أن يحدّ من نشاطه.
المصلح الذي يجمع القلوب
ما إن ترك العمل الإداري حتى انطلق إلى مجال الإصلاح المجتمعي، فكان أحد أبرز أعضاء لجان الصلح القبلية، يطفئ نيران الفتن، ويعيد المتخاصمين إلى جادة الصواب. لم يكن مجرد وسيط، بل كان صاحب رسالة، يحمل بين كلماته الحكمة، وبين تصرفاته الصدق، فيستمع الجميع لكلماته ويثقون في حكمه.
لم يكن الإصلاح بالنسبة له عملًا ثانويًا، بل كان واجبًا لا يقل أهمية عن أي مسؤولية تقلدها من قبل. فقد أدرك أن بناء المجتمع لا يكون فقط بإدارة المؤسسات، بل أيضًا ببناء جسور الثقة بين أبنائه، ونزع فتيل الأزمات قبل أن تستفحل.
محارب المخدرات.. الجندي الذي لا يتعب
لكن ربما كان أعظم ما قدمه حمزة السعدي، هو جهوده العظيمة في مكافحة المخدرات، تلك الآفة التي تهدد المجتمعات وتسرق عقول الشباب. لم يكن موقفه موقف المتفرج، بل كان من أوائل المبادرين، حيث أسس مع مجموعة من النشطاء مركزًا لمكافحة المخدرات، وتولى رئاسة فريق مكافحة المخدرات في محافظة أبين.
لم تكن معركته سهلة، لكنه خاضها بإيمان راسخ، متنقلًا بين المدارس، والمنتديات، والمجالس العامة، ينشر الوعي، ويفضح مخاطر المخدرات، ويجتهد في إنقاذ الشباب من براثنها. كان يرى في كل شاب ضحيةً يجب إنقاذها، وفي كل مجتمع مهددٍ بهذه السموم معركةً يجب كسبها.
عطاءٌ لا ينضب.. ومسيرةٌ تلهم الأجيال
ورغم السنوات الطويلة التي قضاها في ميادين العمل، إلا أن حمزة السعدي لم يفقد حماسه يومًا، ولم يضعف إيمانه برسالته. فهو اليوم، كما كان بالأمس، شعلة من النشاط، نموذج للإنسان الذي لم يركن إلى الراحة، ولم يترك مجتمعه في منتصف الطريق.
إنه رجلٌ لا يطلب مجدًا شخصيًا، ولا ينتظر مقابلًا، لكنه يزرع بذور الخير أينما حل، ويضيء الدروب لمن خلفه، تاركًا أثرًا خالدًا في كل من عرفوه أو عملوا معه.
ختامًا.. تحية لهذا الرجل الاستثنائي
إن المجتمعات لا تبنى بالأقوال، بل بالأفعال، ولا تنهض بالمتخاذلين، بل بالنماذج التي لا تعرف الكلل. وأستاذنا حمزة السعدي واحد من هؤلاء الرجال الذين يستحقون أن تُرفع لهم القبعات، وأن تُسطر أسماؤهم بأحرف من نور في سجل العظماء.
فليكن لنا في سيرته درسٌ، وفي عطائه قدوة، ولنعلم أن الأوطان لا تزدهر إلا بأمثاله، ممن يحملون شعلة الخير، ويسيرون بها رغم كل العوائق، ليضيئوا بها طريق المستقبل.
----------------
✍️ عبدالعزيز الحمزة
٢١ رمضان ١٤٤هجري
