في ليلةٍ رمضانيةٍ رائعة، حيث الأنس يزداد نورًا في حضرة الرجال العظام، كنت بصحبة الأستاذ منصور العلهي، والدكتور خالد صالح، والشيخ محمد عبدالله عشال، في زيارةٍ قلّ نظيرها، قصدنا عبق الأصالة ووهج الحكمة، الشيخ صالح أحمد العرماني، ذلك الرجل الحكيم الذي شهد مراحل ومنعطفاتٍ سياسيةٍ كبرى في تاريخ اليمن، والشاعر الذي تختزن ذاكرته كنوزًا من الشعر العربي وأشعار دثينة الأصيلة.
ما إن استقبلنا حتى غمرنا بكرم الضيافة الذي هو بعضٌ من شيمه، وأتحفنا بحديثه الموسوعي الشيق، حيث اختلطت في كلماته الحكمة بالتاريخ، والأدب بالسياسة، والتجربة بالتحليل العميق. لم يكن مجرد حديث عابر، بل كان مجلسًا عامرًا بالمعرفة، درسًا من دروس الحياة، حيث يجتمع العقل والتجربة، والإنصاف والبصيرة.
إنه حكيم دثينة، والمرجعية القبيلة، وصوت الشعر، وحارس القيم، رجلٌ قلّ أن يجود الزمن بمثله، فتجده الحاكم العادل في النزاعات، والوسيط المصلح بين المتخاصمين ، رجل الحكمة والعدل
منذ أن بزغ نجم الشيخ العرماني في سماء قبائل دثينة واليمن عمومًا، حمل على عاتقه مسؤولية عظيمة، فكان المحكم العادل في المنازعات، والمصلح الذي يسعى لرأب الصدع، لا يعرف الميل إلا إلى الحق، ولا يميل الميزان عنده إلا بما يرضي الله والضمير. في زمن كثرت فيه الخصومات وتعقدت النزاعات، ظل الرجل ملاذًا لكل متخاصم، وصوت العقل في زمن الصخب.
لم يكن للقبائل أن تجد ملجأ في خلافاتها الكبرى إلا عنده، ولم يكن لأحد أن يرفض حُكمه، كيف لا وهو الذي ما حكم إلا بعد أن استنطق الحق، وما أنصف إلا بعد أن استوعب الحيثيات. كانت كلمته ميزانًا، وحكمه سيفًا يقطع دابر الفتن، فلم يكن طرفًا في نزاع، بل كان الحكم الذي يلبس ثوب العدل، والمصلح الذي يُطفئ نار الفتن، ويرأب الصدع بين أبناء القبائل.
لم يكن الشيخ صالح العرماني حكيمًا في القضاء فحسب، بل كان شاعرًا له من البيان ما يسحر العقول، ومن البلاغة ما يأسر القلوب. شعره ليس مجرد كلمات تُلقى على المسامع، بل هو سجل حافل بالتاريخ، ونبض حيّ يحكي قصة أمة، ومواقف رجال، وأحداث صنعها الزمن. في قصائده تجد الفخر ممزوجًا بالحكمة، والحكمة مشبعة بالعبرة، والعبرة منسوجة بحكايات الأرض والعشيرة، فهو ليس مجرد شاعر، بل هو مؤرخٌ ينطق بأبياته ما عجزت عنه كتب التاريخ.
لم يكن الشيخ العرماني مجرد شيخ قبلي أو شاعر موهوب، بل كان موسوعة متنقلة في تاريخ العرب، وأحداث اليمن، ومآثر القبائل. كان يتحدث في المجالس بلغة العارفين، فينقل الروايات كأنه شاهد عيان، ويستحضر من وقائع التاريخ ما يجعلك تعتقد أنه عاشها بنفسه. حفظ أشعار العرب الأوائل، وتعمق في أشعار دثينة، فكان ينقلها بإتقان، ويستحضرها في مواضعها، لتكون شاهدًا على مواقفه وحججه.
لم يكن مجرد ناقلٍ للماضي، بل كان محللًا بارعًا، يربط بين التاريخ والواقع، ويستخلص العبر من الحوادث، ليقدم للناس رؤية تستند إلى الحكمة والتجربة. كان مجلسه مدرسة لمن أراد أن يتعلم، وديوانه محجة لكل طالب معرفة، فكلماته لم تكن مجرد حديث عابر، بل دروس في القيادة، والحنكة، والتاريخ، والأدب.
أدرك الشيخ العرماني أن أعظم ما يُمكن أن يقدمه الإنسان لأهله ومجتمعه هو أن يكون جسرًا للسلام، فوهب عمره لهذا الطريق. كم من دماء أُريقت كاد أن يكون لها امتدادٌ لولا تدخله، وكم من خلافٍ تحول إلى عداوة لولا حكمته، وكم من أسر تفرقت كاد أن يُفرقها الزمن لولا مساعيه المباركة. لم يكن يهاب الصعاب، ولا يتردد أمام النزاعات الكبرى، كان يواجه الموقف بالكلمة العادلة، والقرار الحكيم، حتى صارت وساطته صكًّا للأمان، ووجهته ملاذًا لكل مستجير، وكم تعرض للخطر أثناء فض الاشتباك بين الخصوم.
ليس من السهل أن تجد رجالًا بمثل هذه الصفات في زمن تتلاطم فيه المصالح وتتداخل فيه الأهواء، لكن الشيخ صالح أحمد العرماني كان – ولا يزال – صرحًا من صروح الحكمة، ورمزًا من رموز الإصلاح، وسيفًا مسلولًا في وجه الفتن. هو رجل لم يكن مجرد فرد في قبيلته، بل كان قبيلة في رجل، وصوتًا يصدح بالعدل، وقلبًا لا يعرف إلا الخير.
ستبقى دثينة تذكره، والتاريخ يسجل سيرته، والقبائل تحفظ له أياديه البيضاء، فمن عرفه أدرك أن الحكمة ليست كلمة تُقال، بل فعلٌ يُمارس، وهذا هو نهج حكيم دثينة.
،،،
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحفظ الشيخ صالح ويمد في عمره مع الصحة والعافية وأن يرزقنا وأيها حسن الختام
—------------
عبدالعزيز الحمزة
١٦ رمضان ١٤٤٦ هجري
١٦ مارس ٢٠٢٥م
