رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو موسم الرحمة والتكافل، حيث تستيقظ القلوب على معاناة الفقراء، وتنشط الأيادي في مدّ جسور العطاء. قال النبي ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن»، فالتكافل في الإسلام ليس خيارًا، بل واجبٌ يتأكد في رمضان، حيث تتجلى روح الإيثار والتعاون.
كان النبي ﷺ أجود الناس، وأكثر ما يكون جودًا في رمضان، يبذل بلا حساب، ويحثّ على العطاء، فقال: «من فطَّر صائمًا كان له مثل أجره». فكيف بمن يسدّ جوع الفقير، ويكفل المحتاج، ويجعل من موائده موائد رحمة وسخاء؟
يتجلى التكافل أيضًا في سلوك التاجر، الذي إن تحلى بالسماحة، كان سببًا في رخاء الناس، مصداقًا لقول النبي ﷺ: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى». أما الجشع واحتكار الأقوات، فقد نهى عنه الإسلام بشدة، وقال النبي ﷺ: «لا يَحتكرُ إلا خاطئ»، فالتكافل يقتضي أن يكون البيع برحمة، لا باستغلال حاجة الفقراء.
التكافل لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى الحُكّام، فهم رعاة الأمة، وأشدّ الناس مسؤولية عن الضعفاء. قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». وإن أعظم القادة من عاش معاناة شعبه، كما فعل عمر بن الخطاب، الذي حمل الدقيق على ظهره ليُطعم الأرامل والأيتام.
التكافل أساس استقرار المجتمعات، والخيانة تقوّضه، سواء بخيانة المال العام، أو باحتكار الأقوات، أو بالتخلي عن الفقراء. قال النبي ﷺ: «آية المنافق ثلاث... وإذا اؤتمن خان»، فما بالنا بمن يخون وطنًا بأكمله، فيحرم المحتاجين حقهم، ويزرع الفقر بدلًا من العطاء؟
رمضان فرصةٌ لنُعيد اكتشاف إنسانيتنا، ونجعل من صيامنا عبادةً تتجاوز الامتناع عن الطعام إلى إشباع جوع الفقراء، وجبر خواطر الضعفاء، وترسيخ قيم الرحمة والعدل. وما أحوجنا اليوم أن نخرج من هذا الشهر بأيدي ممدودةٍ بالخير، وقلوب نابضةٍ بالإحسان، لنكون بحقّ كالجسد الواحد، كما وصفنا النبي ﷺ: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد».
وبمناسبة قدوم هذا الشهر الكريم، نسأل الله أن يجعله شهر خير وبركة علينا جميعًا، وأن يُعيننا فيه على الصيام والقيام وصالح الأعمال، وأن يُفيض علينا من رحمته وكرمه. كل عام وأنتم بخير، ورمضان مبارك عليكم وعلى أمة الإسلام جمعاء!
عبدالعزيز الحمزة