في سماء أبين، تتلألأ نجوم الفخر، وتنساب أنوار العلم والمعرفة، لترسم لوحةً زاهية من الوعي والإبداع. لم تكن لحظات التكريم مجرد احتفالٍ عابر، بل كانت إشراقةً قرآنيةً تسطع على أرضٍ اختارت أن تجعل من العلم منارًا، ومن كتاب الله نبراسًا ينير دروب الأجيال.
حين وقفت بين حفظة القرآن الكريم، وأنا أشارك في هذا الحدث المبارك ممثلًا عن قيادة المحافظة، غمرتني مشاعر الاعتزاز، ليس فقط بهؤلاء الفتية والفتيات الذين أكرمهم الله بحفظ كلامه، بل بهذا المجتمع الحيّ، الذي يدرك أن قوته الحقيقية تكمن في العلم، وأن نهضته تتجذر في وعي أبنائه.
لقد رأيت في عيون الحاضرين، من مشايخ وأولياء أمور ومسؤولين، شعلةً من الفخر والفرح، كأن هذا اليوم يوم عيدٍ لهم، وكأن هذه اللحظة ميلادُ أملٍ جديدٍ يشرق في أفق أبين. كان المشهد أشبه بلوحةٍ قرآنيةٍ تتشكل من نور الحروف الإلهية التي حفظها هؤلاء النجباء، ومن حكايات الأمهات والآباء الذين تعبوا وسهروا ليصل أبناؤهم إلى هذا المقام الرفيع.
أبين، التي احتضنت السبت الماضي مسابقة الرياضيات الذهنية، تقف اليوم على منصة المجد لتكريم حفظة كتاب الله، في مشهدٍ يؤكد أن هذه المحافظة تمضي بخطى واثقة نحو مستقبلٍ مشرق، حيث يتكامل العلم الدنيوي مع النور الإلهي، وحيث يصبح الوعي سورًا منيعًا يحمي أبناءها من الجهل والارهاب والتطرف والظلام.
إن العلم والمعرفة هما السلاح الحقيقي في معركة البناء، وهما الحصن الذي نحتمي به من رياح الفكر الهدام التي تحاول أن تعبث بمستقبل الأجيال. وحين تحتضن أبين أهل القرآن، فهي لا تحتفي بأشخاصٍ فحسب، بل تؤسس لجيلٍ يحمل في قلبه نور الهداية، وفي عقله زاد العلم، فيكون مشعلًا للنهضة، وأملًا يُزهر في صحراء التحديات.
إنني، وأنا أرى هذه المسيرة المباركة، أزداد يقينًا بأن مجتمعًا يتعهد أبناءه بالعلم ويكرم حفظة كتاب الله، هو مجتمعٌ يكتب فصول نهضته بمداد النور، ويمضي في طريق العزة بثباتٍ وإرادة. وأبين اليوم، بهذا الزخم العلمي والديني، تبني سياجها الحقيقي من الوعي والمعرفة، وتصوغ مستقبلها بمداد العقول النيّرة والقلوب المؤمنة.
لا يسعنا إلا أن نوجّه خالص الشكر والتقدير للجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في أبين، التي تبذل جهودًا عظيمة في تعليم كتاب الله، تلاوةً وحفظًا وتدبرًا، وتسهم في غرس القيم الإسلامية في نفوس الناشئة. إن هذه الجمعية، بقيادتها وإدارتها ومعلميها، تستحق كل الدعم والمؤازرة، فهي تمثل منارةً مضيئةً على طريق بناء جيلٍ قرآنيٍّ واعٍ.
كما نشكر محافظ محافظة أبين، اللواء أبوبكر حسين سالم، الذي لم يألُ جهدًا في رعاية هذه الفعاليات ودعمها، إدراكًا منه لأهمية بناء الإنسان، فهو الركيزة الأولى في نهضة أي مجتمع. إن تبني قيادة المحافظة لمثل هذه الأنشطة القرآنية والتعليمية هو دليلٌ على أن أبين ماضيةٌ في طريقها نحو مستقبلٍ مشرق، تتعانق فيه القيم الروحية مع النهضة الفكرية والعلمية.
ختامًا، يبقى هذا اليوم شاهدًا على أن القرآن لا يزال حيًّا في قلوب أبناء أبين، وأن مسيرة العلم لن تتوقف، وأن هذه المحافظة، التي لطالما واجهت التحديات والإرهاب ، ستظلّ مرفوعة الرأس، مكلّلة بالمجد، مزهوّةً بأبنائها، لأنهم اختاروا أن يكونوا حملة نور، لا أتباع ظلام.
—-----------------
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الاثنين ١٧ فبراير
